مركز الثقافة والمعارف القرآنية

391

علوم القرآن عند المفسرين

لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ « 1 » في الاحتجاج على البعث . وانما سئل الرسل المعجزة وأتوا بها لإثبات رسالتهم وتحقيق دعواها . وذلك أنهم ادعوا الرسالة من اللّه بالوحي وأنه بتكليم إلهي أو نزول ملك ونحو ذلك ، وهذا شيء خارق للعادة في نفسه من غير سنخ الإدراكات الظاهرة والباطنة التي يعرفها عامة الناس ويجدونها من أنفسهم ، بل إدراك مستور عن عامة النفوس لو صح وجوده لكان تصرفا خاصا من ما وراء الطبيعة في نفوس الأنبياء فقط ، مع أن الأنبياء كغيرهم من افراد الناس في البشرية وقواها . وهذا هو الذي بعث الأمم إلى سؤال المعجزة على صدق دعوى النبوة كلما جاءهم رسول من أنفسهم بعثا بالفطرة والغريزة ، وكان سؤال المعجزة لتأييد الرسالة وتصديقها ، لا للدلالة على صدق المعارف الحقة التي كان الأنبياء يدعون إليها مما يمكن أن يناله البرهان كالتوحيد والمعاد ، ونظير هذا ما لو جاء رجل بالرسالة إلى قوم من قبل سيدهم الحاكم عليهم ومعه أوامر ونواه يدّعيها للسيد ، فإن بيانه لهذه الأحكام وإقامته البرهان على أن هذه الأحكام مشتملة على مصلحة القوم وهم يعلمون أن سيدهم لا يريد إلا صلاح شأنهم ، إنما يكفي في كون الأحكام التي جاء بها حقة صالحة للعمل ، ولا تكفي البراهين والأدلة المذكورة في صدق رسالته وأن سيدهم أراد منهم بإرساله إليهم ما جاء به من الأحكام ، بل يطالبونه ببينة أو علامة تدل على صدقه في دعواه ككتاب بخطه وخاتمه يقرءونه ، أو علامة يعرفونها ، كما قال المشركون للنبي : حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ « 2 » . فقد تبين بما ذكرناه أولا : التلازم بين صدق دعوى الرسالة وبين المعجزة وأنها الدليل على صدق دعواها ، لا يتفاوت في ذلك حال الخاصة والعامة في دلالتها وإثباتها ، وثانيا : إن ما يجده الرسول والنبي من الوحي ويدركه منه من غير سنخ ما نجده بحواسنا وعقولنا النظرية الفكرية ، فالوحي غير الفكر الصائب ، وهذا المعنى في كتاب اللّه تعالى من الوضوح والسطوح بحيث لا يرتاب فيه من له أدنى فهم وأقل إنصاف .

--> ( 1 ) سورة ص : الآية 28 . ( 2 ) سورة الإسراء : الآية 93 .